الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
80
نفحات الولاية
ومن ثم طبقاتها . وتشير العبارة بأجمعها إلى أنّ الخلق الأول في عالم المادة كان خلق فضاء العالم ، الفضاء الذي يسعه استيعاب الكرات السماوية والمنظومات وما إلى ذلك ، بالضبط كالصفحة الورقية التي يعدها الرسام الماهر مسبقاً لرسم ما يشاء . ومن هنا يتضح أنّ كلمة « ثم » في العبارة لا تفيد معنى الترتيب التكويني ، بل تفيد الترتيب والتأخير البياني ؛ لأنّه قد أشير في العبارات السابقة إلى خلق أنواع الموجودات والكائنات ، ومن المتيقن ألا تكون قد أعقبت بخلق الفضاء ثم كريات السماء والأرض . وفي الواقع فقد تضمنت العبارات السابقة أبحاثاً بشأن خلق الموجودات بينما تكفلت هذه العبارة شرح تلك الأبحاث وتفصيلها . على كل حال فانّ ظاهر هذه العبارة تفيد أن الفضاء أول مخلوق في عالم المادة ، غير أنّ هناك ترديد لدى بعض الفلاسفة والمتكلمين بشأن الفضاء في أنّه أمر وجودي أم عدمي ؟ فهناك من يعتقد كما أنّ الزمان قد ظهر بعد انبثاق الموجودات وحركتها ( لأنّ الزمان هو وحدة الحركة ) فان المكان هوالآخر قد حصل بعد ظهور الأجسام المختلفة ومقارنتها مع بعضها . والحال يتعذر علينا تصور عدم وجود مكان مطلق إثر ظهور أول جسم إلى الوجود . فلو أردنا أن نبني عمارة ذات عدّة طبقات فإننا نحتاج إلى فضاء تشغله تلك العمارة كحاجتنا إلى مكان على الأرض نبنيها عليه ، وإذا أردنا أن نبني عمارة أكبر فانّها ستحتاج إلى فضاء أوسع . والخلاصة فإننا نؤمن بما أورده الإمام عليه السلام بقوله « ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشق الأرجاء وسكائك الهواء » ونوكل الاستغراق في هذا البحث إلى محله . تأمّل : هل العالم المادي حادث ؟ هناك كلام كثير يدور بين الفلاسفة والعلماء بشأن العالم فهل العالم المادي حادث أم قديم أزلي ؟ فالبعض يرى أنّه قديم وأزلي بينما يعتقد الأعم الأغلب أنّه حادث . امّا دليل القائلين بالأزلية والقدم فإنما يستند إلى الذات الإلهية المقدسة القديمة وكل ما سواها فهو حادث ومخلوق وتابع لذاته المقدسة . وأمّا أنصار عقيدة حدوث العالم فأحياناً يستدلون بالأدلة الفلسفية على مدعاهم وأحياناً أخرى بالأدلة العلمية . فبرهان الحركة والسكون من الأدلة